فصل: 1 أحمد بن خالد الخلال أبو جعفر البغدادي العسكري

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


الطبقة الأولى

1 أحمد بن خالد الخلال أبو جعفر البغدادي العسكري

قاضي الثغر

روى عن الشافعي وسفيان بن عيينة وغيرهما

حدث عنه الترمذي والنسائي وغيرهما وقالا لا بأس به

قال أبو حاتم الرازي كان خيرا فاضلا عدلا ثقة صدوقا رضا

وقال الحاكم من جلة الفقهاء والمحدثين

مات سنة ست وقيل سبع وأربعين ومائتين

2 أحمد بن سنان بن أسد بن حبان القطان أبو جعفر الواسطي الحافظ

له مسند مخرج على الرجال

روى عن الشافعي وأبي معاوية ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي وخلق

روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ويحيى بن صاعد وابن خزيمة وابنه جعفر بن أحمد بن سنان وعلي بن عبد الله بن مبشر وعبد الرحمن بن أبي حاتم

وقال فيه ابن أبي حاتم هو إمام أهل زمانه

وقال أبوه أبو حاتم ثقة صدوق

وقال ابن ماكولا والدارقطنى كان من الثقات الأثبات

وقال أبو عبيد الآجرى سألت أبا داود عن أحمد بن سنان وبندار فقدم ابن سنان على بندار

وقال أبو عبد الله الحاكم في فضائل الشافعى إن بعض مشايخه بمرو حدثه أن ابن سنان كان يقاس بابن المبارك في زمانه

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر توفى سنة ست ويقال سنة ثمان ويقال سنة تسع وخمسين ومائتين

قال جعفر بن أحمد بن سنان سمعت أبي يقول ليس في الدنيا مبتدع إلا يبغض أصحاب الحديث وإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه

قال ابن أبى حاتم سمعت ابن سنان يقول رأيت الشافعى أحمر الرأس واللحية يعنى أنه استعمل الخضاب اتباعا للسنة

3 أحمد بن صالح المصرى أبو جعفر الطبرى الحافظ أحد أركان العلم وجهابذة الحفاظ

قال أبو سعيد بن يونس كان أبوه جنديا من أجناد طبرستان فولد له أحمد بمصر سنة سبعين ومائة

قلت سمع سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وحرمى بن عمارة وعنبسة ابن سعيد وابن أبى فديك وعبد الرزاق وعبد الله بن نافع والشافعى

وروى عنه البخاري وربما روى عن رجل عنه وروى عنه أيضا أبو داود وعمرو الناقد والذهلي ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمود بن غيلان وأبو زرعة الدمشقي وصالح جزرة وأبو إسماعيل الترمذي وأبو بكر بن أبى داود وخلق

ودخل بغداد وناظر بها أحمد بن حنبل

قال أبو زرعة سألنى أحمد بن حنبل من بمصر فقلت أحمد بن صالح

فسر بذكره ودعا له

وقال البخارى هو ثقة ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة

وقال يعقوب الفسوى كتبت عن ألف شيخ وكسر حجتى فيما بينى وبين الله رجلان أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح

وقال ابن وارة الحافظ أحمد بن حنبل ببغداد وأحمد بن صالح المصرى بمصر والنفيلى بحران وابن نمير بالكوفة هؤلاء أركان الدين

وقد تكلم النسائى في أحمد بن صالح فقال ليس بثقة ولا مأمون تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب

قال الحافظ أبو بكر الخطيب يقال كان آفة أحمد بن صالح الكبر وشراسة الخلق ونال النسائى منه جفاء في مجلسه فذلك الذي أفسد بينهما

قال ابن عدى سمعت محمد بن هارون البرقى يقول حضرت مجلس أحمد بن صالح وطرد النسائى من مجلسه فحمله على أن تكلم فيه

قال ابن عدى وكان النسائى ينكر عليه أحاديث منها

عن ابن وهب عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه الدين النصيحة

والحديث فقد رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب

قال ابن عدى وأحمد من حفاظ الحديث وكلام ابن معين فيه تحامل

وأراد بكلام ابن معين ما ذكره معاوية بن صالح عنه أنه سأله عن أحمد بن صالح فقال رأيته كذابا يخطر فى جامع مصر

قلت وقد ذكر أن الذى ذكر فيه ابن معين هذه المقالة هو أحمد بن صالح الشمونى وهو شيخ بمكة كان يضع الحديث وأنه لم يعن أحمد بن صالح هذا فإن هذا كان من أقرانه في الحفظ والإتقان ويترجح عليه في حديث أهل مصر والحجاز وذكر أيضا أنه كانت بينه وبينه منافرة دنيوية

قال ابن عدى وأما سوء ثناء النسائى عليه فلما تقدم

قال ولولا أنى شرطت أن أذكر فى كتابى كل من تكلم فيه متكلم لكنت أجل أحمد بن صالح أن أذكره

وقال الحافظ أبو يعلى الخليلى في كتاب الإرشاد ابن صالح ثقة حافظ واتفق الحفاظ على أن كلام النسائى فيه تحامل ولا يقدح كلام أمثاله فيه وقد نقم على النسائى كلامه فيه

وقال ابن العربى في كتاب الأحوذى إمام ثقة من أئمة الملسمين لا يؤثر فيه تجريح وإن هذا القول يحط من النسائى أكثر مما حط من ابن صالح

قلت وكذا قال الباجى

قلت أحمد بن صالح ثقة إمام ولا التفات إلى كلام من تكلم فيه

ولكنا ننبهك هنا على

قاعدة في الجرح والتعديل

ضرورية نافعة لا تراها فى شيء من كتب الأصول فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل ورأيت الجرح والتعديل وكنت غرا بالأمور أو فدما مقتصرا على منقول الأصول حسبت أن العمل على جرحه فإياك ثم إياك والحذر كل الحذر من هذا الحسبان بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبى أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون

وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى الكتاب العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير رضى الله عنه دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء الحديث

وروى بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسى بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زروبها

وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء فى كل شيء إلا قول بعضهم فى بعض

قلت ورأيت فى كتاب معين الحكام لابن عبد الرفيع من المالكية وقع فى المبسوطة من قول عبد الله بن وهب أنه لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعنى العلماء لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغيا

وقاله سفيان الثورى ومالك بن دينار

انتهى

ولعل ابن عبد البر يرى هذا ولا بأس به غير أنا لا نأخذ به على إطلاقه ولكن نرى أن الضابط ما نقوله من أن ثابت العدالة لا يلتفت فيه إلى قول من تشهد القرائن بأنه متحامل عليه إما لتعصب مذهبى أو غيره

ثم قال أبو عمر بعد ذلك الصحيح فى هذا الباب أن من ثبتت عدالته وصحت فى العلم إمامته وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتى في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات

واستدل بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد فيما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه

وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا

ثم اندفع ابن عبد البر فى ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم في بعض وعدم الالتفات إليه لذلك إلى أن انتهى إلى كلام ابن معين في الشافعى وقال إنه مما نقم على ابن معين وعيب به وذكر قول أحمد بن حنبل من أين يعرف يحيى بن معين الشافعى هو لا يعرف الشافعى ولا يعرف ما يقوله الشافعى ومن جهل شيئا عاداه

قلت وقد قيل إن ابن معين لم يرد الشافعى وإنما أراد ابن عمه كما سنحكيه إن شاء الله تعالى في ترجمة الأستاذ أبى منصور وبتقدير إرادته الشافعى فلا يلتفت إليه وهو عار عليه وقد كان فى بكاء ابن معين على إجابته المأمون إلى القول بخلق القرآن وتحسره على ما فرط منه ما ينبغى أن يكون شاغلا له عن التعرض إلى الإمام الشافعى إمام الأئمة ابن عم المصطفى

ثم ذكر ابن عبد البر كلام ابن أبى ذيب وإبراهيم بن سعد فى مالك بن أنس قال وقد تكلم أيضا فى مالك عبد العزيز بن أبى سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ومحمد بن إسحاق وابن أبى يحيى وابن أبى الزناد وعابوا أشياء من مذهبه وقد برأ الله عز وجل مالكا عما قالوا وكان عند الله وجيها

قال وما مثل من تكلم فى مالك والشافعى ونظائرهما إلا كما قال الأعشى

كناطح صخرة يوما ليقلعها ** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

أو كما قال الحسن بن حميد

يا ناطح الجبل العالى ليكلمه ** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

ولقد أحسن أبوالعتاهية حيث يقول

ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ** وللناس قال بالظنون وقيل

وقيل لابن المبارك فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد

حسدوك أن رأوك فضلك الله ** بما فضلت به النجباء

وقيل لأبى عاصم النبيل فلان يتكلم فى أبى حنيفة فقال هو كما قال نصيب

سلمت وهل حى على الناس يسلم **

وقال أبو الأسود الدؤلى

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ** فالقوم أعداء له وخصوم

ثم قال ابن عبد البر فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم فى بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم فى بعض فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا

وخسر خسرانا مبينا

قال وإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده فليقف عندما شرطناه فى أن لا يقبل فى صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له

قلت هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف عن القذى والكدر فإنه لم يزد فيه على قوله إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا ببرهان وهذا قد أشار إليه العلماء جميعا حيث قالوا لا يقبل الجرح إلا مفسرا

فما الذى زاده ابن عبد البر عليهم وإن أومأ إلى أن كلام النظير في النظير والعلماء بعضهم فى بعض مردود مطلقا كما قدمناه عن المبسوطة فليفصح به ثم هو مما لا ينبغى أن يؤخذ هذا على إطلاقه بل لابد من زيادة على قولهم إن الجرح مقدم على التعديل

ونقصان من قولهم كلام النظير فى النظير مردود

والقاعدة معقودة لهذه الجملة ولم ينح ابن عبد البر فيما يظهر سواها وإلا لصرح بأن كلام العلماء بعضهم فى بعض مردود أو لكان كلامه غير مفيد فائدة زائدة على ما ذكره الناس ولكن عبارته كما ترى قاصرة عن المراد

فإن قلت فما العبارة الوافية بما ترون

قلت ما عرفناك أولا من أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره فى حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فى الذى جرحه من تعصب مذهبى أو منافسة دنيوية كما يكون من النظراء أو غير ذلك فنقول مثلا لا يلتفت إلى كلام ابن أبى ذيب فى مالك وابن معين فى الشافعى والنسائى فى أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتى بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعى على نقله وكان القاطع قائما على كذبه

ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح فى العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار الرافعى بقوله وينبغى أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية فى المذهب خوفا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه الاقتراح إلى هذا الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه الاقتراح إلى هذا وقال أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام

قلت ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم فى البخارى تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ فيالله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول البخارى متروك وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يالله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام فإن الحق فى مسألة اللفظ معه إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين فى أن تلفظه من أفعاله الحادثة التى هى مخلوقة لله تعالى وإنما أنكرها الإمام أحمد رضى الله عنه لبشاعة لفظها

ومن ذلك قول بعض المجسمة فى أبى حاتم ابن حبان لم يكن له كبير دين نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله فياليت شعرى من أحق بالإخراج من يجعل ربه محدودا أو من ينزهه عن الجسمية

وأمثلة هذا تكثر وهذا شيخنا الذهبى رحمه الله من هذا القبيل له علم وديانة وعنده على أهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه

ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى رحمه الله ما نصه الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبى لا أشك فى دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم واحدا منهم يطنب فى وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ فى وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالى ونحوهما لا يبالغ فى وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينا وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها وكذلك فعله فى أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول فى ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد

انتهى

والحال فى حق شيخنا الذهبى أزيد مما وصف وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه

وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية فإن غالبهم أشاعرة وهو إذا وقع بأشعرى لا يبقى ولا يذر

والذى أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده أوجه منه فالله المسئول أن يخفف عنه وأن يلهمهم العفو عنه وأن يشفعهم فيه

والذى أدركنا عليه المشايخ النهى عن النظر فى كلامه وعدم اعتبار قوله ولم يكن يستجرى أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه

وأما قول العلائى رحمه الله دينه وورعه وتحريه فيما يقوله فقد كنت أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء إنه ربما اعتقدها دينا ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب وأقطع بأنه لا يختلقها وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنتشر وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها بغضا للمتحدث فيه وتنفيرا للناس عنه مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ ومع اعتقاده أن هذا مما يوجب نصر العقيدة التى يعتقدها هو حقا ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة غير أنى لما أكثرت بعد موته النظر فى كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفت فى تحريه فيما يقوله ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه فلينظر كلامه من شاء ثم يبصر هل الرجل متحر عند غضبه أو غير متحر وأعنى بغضبه وقت ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية فإنى أعتقد أن الرجل كان إذا مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضبا مفرطا ثم قرطم الكلام ومزقه وفعل من التعصب مالا يخفى على ذى بصيرة ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغى فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها ودائما أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازى في كتاب الميزان فى الضعفاء وكذلك السيف الآمدى وأقول يالله العجب هذان لا رواية لهما ولا جرحهما أحد ولا سمع من أحد أنه ضعفهما فيما ينقلانه من علومهما فأى مدخل لهما فى هذا الكتاب ثم إنا لم نسمع أحدا يسمى الإمام فخر الدين بالفخر بل إما الإمام وإما ابن الخطيب وإذا ترجم كان فى المحمدين فجعله فى حرف الفاء وسماه الفخر ثم حلف فى آخر الكتاب أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه فأى هوى نفس أعظم من هذا فإما أن يكون ورى فى يمينه أو استثنى غير الرواة فيقال له فلم ذكرت غيرهم وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس وإذا وصل إلى هذا الحد والعياذ بالله فهو مطبوع على قلبه

ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول

فإن قلت قولكم لابد من تفقد حال العقائد هل تعنون به أنه لا يقبل قول مخالف عقيدة فيمن خالفه مطلقا سواء السنى على المبتدع وعكسه أو غير ذلك قلت هذا مكان معضل يجب على طالب التحقيق التوقف عنده لفهم ما يلقى عليه وأن لا يبادر لإنكار شيء قبل التأمل فيه

واعلم أنا عنينا ما هو أعم من ذلك ولسنا نقول لا تقبل شهادة السنى عن المبتدع مطلقا معاذ الله ولكن نقول من شهد على آخر وهو مخالف له فى العقيدة أوجبت مخالفته له فى العقيدة ريبة عند الحاكم المنتصر لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير مخالف فى العقيدة ولا ينكر ذلك إلا فدم أخرق

ثم المشهود به يختلف باختلاف الأحوال والأغراض فربما وضح غرض الشاهد على المشهود عليه إيضاحا لا يخفى على أحد وذلك لقربه من نصر معتقده أو ما أشبه ذلك وربما دق وغمض بحيث لا يدركه إلا الفطن من الحكام ورب شاهد من أهل السنة ساذج قد مقت المبتدع مقتا زائدا على ما يطلبه الله منه وأساء الظن به إساءة أوجبت له تصديق ما يبلغه عنه فبلغه عنه شيء فغلب على ظنه صدقه لما قدمناه فشهد به فسبيل الحاكم التوقف فى مثل هذا إلى أن يتبين له الحال فيه وسبيل الشاهد الورع ولو كان من أصلب أهل السنة أن يعرض على نفسه ما نقل له عن هذا المبتدع وقد صدقه وعزم على أن شهد عليه به أن يعرض على نفسه مثل هذا الخبر بعينه وهذا المخبر بعينه لو كان عن شخص من أهل عقيدته هل كان يصدقه وبتقدير أنه كان يصدقه فهل كان يبادر إلى الشهادة عليه به وبتقدير أنه كان يبادر فليوازن ما بين المبادرتين فإن وجدهما سواء فدونه وإلا فليعلم أن حظ النفس داخله وأزيد من ذلك أن الشيطان استولى عليه فخيل له أن هذه قربة وقيام فى نصر الحق وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين

وهذا قولنا فى سنى يجرح مبتدعا فما الظن بمبتدع يجرح سنيا كما قدمناه

وفى المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد فى غيرهم وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم والشهادة على من يخالفهم فى العقيدة بما يسوءه فى نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته فى النيل منهم فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم

فإن قلت أليس أن الصحيح فى المذهب قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره قلت قبول شهادته لا يوجب دفع الريبة عند شهادته على مخالفه فى العقيدة والريبة توجب الفحص والتكشف والتثبت وهذه أمور تظهر الحق إن شاء الله تعالى إذا اعتمدت على ما ينبغى

وفى تعليقة القاضى الحسين لا يجوز أن يبغض الرجل لأنه من مذهب كذا فإن ذلك يوجب رد الشهادة

انتهى

ومراده لأنه من مذهب من المذاهب المقبولة أما إذا أبغضه لكونه مبتدعا فلا ترد شهادته

واعلم أن ما ذكرناه من قبول شهادة المبتدع هو ما صححه النووى وهو مصادم لنص الشافعى على عدم قبول الخطابية وهى طريقة الأصحاب وأصحاب هذه الطريقة يقولون لو شهد خطابى وذكر فى شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول المدعى بأن قال سمعت فلانا يقر بكذا لفلان أو رأيته أقرضه قبلت شهادته وهذا منهم بناء على أن الخطابى يرى جواز الشهادة لصاحبه إذا سمعه يقول لى على فلان كذا فصدقه وإليه أشار الشافعى

وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة فى زماننا هذا فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم فى العقيدة لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوءه فى نفسه وماله

وبلغنى أن كبيرهم استفتى فى شافعى أيشهد عليه بالكذب فقال ألست تعتقد أن دمه حلال قال نعم قال فما دون ذلك دون دمه فاشهد وادفع فساده عن المسلمين فهذه عقيدتهم ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنة ولو عدوا عددا لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو منهم برئ ولكنه كما قال بعض العارفين ورأيته بخط الشيخ تقى الدين ابن الصلاح إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريان منهم أحمد ابن حنبل ابتلى بالمجسمة وجعفر الصادق ابتلى بالرافضة

ثم هذا الذى ذكرناه هو على طريقة النووى رحمه الله والذى أراه أن لا تقبل شهادتهم على سنى

فإن قلت هل هذا رأى الشيخ أبى حامد ومن تابعه أن أهل الأهواء كلهم لا تقبل لهم شهادة

قلت لا بل هذا قول بأن شهادتهم على مخالفيهم فى العقيدة غير مقبولة ولو كان مخالفهم فى العقيدة مبتدعا وهذا لا أعتقد أن النووى ولا غيره يخالف فيه والذى قاله النووى قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره على الجملة أما أن شهادته تقبل بالنسبة إلى مخالفه فى العقيدة مع ما هناك من الريبة فلم يقل النووى ولا غيره ذلك

فإن قلت غاية المخالفة فى العقيدة أن توجب عداوة وهى دينية فلا توجب رد الشهادة

قلت إنما لا توجب رد الشهادة من المحق على المبطل كما قال الأصحاب تقبل شهادة السنى على المبتدع وكذا من أبغض الفاسق لفسقه ثم سأعرفك ما فيه وأما عكسه وهو المبتدع على السنى فلم يقله أحد من أصحابنا

ثم أقول فى ما ذكره الأصحاب من قبول شهادة السنى على المبتدع إنما ذلك فى سنى لم يصل فى حق المبتدع وبغضه له إلى أن يصير عنده حظ نفس قد يحمله على التعصب عليه وكذا الشاهد على الفاسق فمن وصل من السنى والشاهد على الفاسق إلى هذا الحد لم أقبل شهادته عليه لأن عندهما زيادة على ما طلبه الشارع منهما أوجبت عندى الريبة فى أمرهما فكم من شاهد رأيته يبغض إنسانا ويشهد عليه بالفسق تدينا وجاءنى وأدى الشهادة عندى باكيا وقت تأديته الشهادة على الدين فرقا خائفا أن يخسف بالمسلمين لوجود المشهود عليه بين أظهرنا

وأنا والذى نفسى بيده أعتقد وأتيقن أن المشهود عليه خير منه ولا أقول إنه كذب عليه عامدا بل إنه بنى على الظن وصدق أقوالا ضعيفة أبغض المشهود عليه بسببها فمنذ أبغضه لحقه هوى النفس واستولى عليه الشيطان وصار الحامل له فى نفس الأمر حظ نفسه وفيما يخطر له الدين

هذا ما شاهدته وأبصرته ولى فى القضاء سنين عديدة فليتق الله امرؤ وقف على حفرة من حفر النار فلا حول ولا قوة إلا بالله قد جعلنى الله قاضيا ومحدثا وقد قال ابن دقيق العيد أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام

ومما يؤيد ما قلته أن أصحابنا قالوا من استباح دم غيره من المسلمين ولم يقدر على قتله فشهد عليه بقتل لم يقتل ذكره الرويانى في البحر فى باب من تجوز شهادته نقلا عن بعض أصحابنا ساكتا عليه ولا يعرف فى المذهب خلافه فإن قلت قد قال عقيبة ومن شتم متأولا ثم شهد عليه قبل أو غير متأول فلا

قلت يعنى بالقبول بعد الشتم متأولا الشهادة بأمر معين ونحن نعلم أنه لا يحمله عليها بغض فليس كمن وصفناه

ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح أيضا حال الجارح فى الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها

والخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التى تختلف باختلاف عرف الناس وتكون فى بعض الأزمنة مدحا وفى بعضها ذما أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم

ومما ينبغى أن يتفقد أيضا حاله فى العلم بالأحكام الشرعية فرب جاهل ظن الحلال حراما فجرح به ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال

وقال الشافعى رضى الله عنه حضرت بمصر رجلا مزكيا يجرح رجلا فسئل عن سببه وألح عليه فقال رأيته يبول قائما

قيل وما فى ذلك قال يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلى فيه

قيل هل رأيته قد أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه قال لا ولكن أراه سيفعل

قال صاحب البحر وحكى أن رجلا جرح رجلا وقال إنه طين سطحه بطين استخرج من حوض السبيل

ومما ينبغى أيضا تفقده وقد نبه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث فقد أوجب كلام بعضهم فى بعض كما تكلم بعضهم فى حق الحارث المحاسبى وغيره وهذا فى الحقيقة داخل فى قسم مخالفة العقائد وإن عده ابن دقيق العيد غيره

والطامة الكبرى إنما هى فى العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وفى المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا وهذا فى المتأخرين أكثر منه فى المتقدمين وأمر العقائد سواء فى الفريقين

وقد وصل حال بعض المجسمة فى زماننا إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محيى الدين النووى وحذف من كلام النووى ما تكلم به على أحاديث الصفات فإن النووى أشعرى العقيدة فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذى صنفه مصنفه

وهذا عندى من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما فى أيديهم من المصنفات فقبح الله فاعله وأخزاه وقد كان فى غنية عن كتابة هذا الشرح وكان الشرح فى غنية عنه

ولنعد إلى الكلام فى الجارحين على النحو الذى عرفناك

فإن قلت فهذا يعود بالجرح على الجارح حيث جرح لا فى موضعه

قلت أما من تكلم بالهوى ونحوه فلا شك فيه وأما من تكلم بمبلغ ظنه فهنا وقفة محتومة على طالب التحقيقات ومزلة تأخذ بأقدام من لا يبرأ عن حوله وقوته ويكل أمره إلى عالم الخفيات

فنقول لا شك أن من تكلم فى إمام استقر فى الأذهان عظمته وتناقلت الرواة ممادحه فقد جر الملام إلى نفسه ولكنا لا نقضى أيضا على من عرفت عدالته إذا جرح من لم يقبل منه جرحه إياه بالفسق بل نجوز أمورا أحدها أن يكون واهما ومن ذا الذى لا يهم والثانى أن يكون مؤولا قد جرح بشيء ظنه جارحا ولا يراه المجروح كذلك كاختلاف المجتهدين

والثالث أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقا ونراه نحن كاذبا وهذا لاختلافنا فى الجرح والتعديل فرب مجروح عند عالم معدل عند غيره فيقع الاختلاف فى الاحتجاج حسب الاختلاف فى تزكيته فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح

ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام المجروح الذى قد استقرت عظمته وأصل عدالة الجارح الذى يثبت فلا يلتفت إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه

فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات

فإن قلت فهل ما قررتموه مخصص لقول الأئمة إن الجرح مقدم لأنكم تستثنون جارحا لمن هذا شأنه قد ندر بين المعدلين قلت لا فإن قولهم الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل فإذا تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو استواء الظن عندهما لأن هذا شأن المتعارضين أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل

وما نحن فيه لم يتعارضا لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعا لأنه لا تعارض والحالة هذه ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره

وعبارتنا فى كتابنا جمع الجوامع وهو مختصر جمعناه فى الأصلين جمع فأوعى والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل وقال ابن شعبان بطلب الترجيح

انتهى

وفيه زيادة على ما فى مختصرات أصول الفقه فإنا نبهنا فيه على مكان الإجماع ولم ينبهوا عليه وحكينا فيه مقالة ابن شعبان من المالكية وهى غريبة لم يشيروا إليها وأشرنا بقولنا يطلب الترجيح إلى أن النزاع إنما هو فى حالة التعارض لأن طلب الترجيح إنما هو فى تلك الحالة

وهذا شأن كتابنا جمع الجوامع نفع الله به غالبا ظننا أن فى كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة فى غيره مع البلاغة فى الاختصار

إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدما

وقد عقد شيخنا الذهبى رحمه الله تعالى فصلا فى جماعة لا يعبأ بالكلام فيهم بل هم ثقات على رغم أنف من تفوه فيهم بما هم عنه برآء ونحن نورد فى ترجمته محاسن ذلك الفصل إن شاء الله

ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين لا يراهما الناظر أيضا فى غير كتابنا هذا

إحداهما أن قولهم لا يقبل الجرح إلا مفسرا إنما هو أيضا فى جرح من ثبتت عدالته واستقرت فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله ولكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال إذ ذاك للجارحين فسرا ما رميتماه به

أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه

والفائدة الثانية أنا لا نطلب التفسير من كل أحد بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكا إما لاختلاف فى الاجتهاد أو لتهمة يسيرة فى الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهى إلى الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح خبرا من أحبار الأمة مبرأ عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهورا بالضعف متروكا بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه ولا نحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها

فنحن نقبل قول ابن معين فى إبراهيم بن شعيب المدنى شيخ روى عنه ابن وهب إنه ليس بشيء وفى إبراهيم بن يزيد المدنى إنه ضعيف وفى الحسين بن الفرج الخياط إنه كذاب يسرق الحديث وعلى هذا وإن لم يبين الجرح لأنه إمام مقدم فى هذه الصناعة جرح طائفة غير ثابتى العدالة والثبت ولا نقبل قوله فى الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه

فاعتبر ما أشرنا إليه فى ابن معين وغيره واحتفظ بما ذكرناه تنتفع به

ويقرب من هذه القاعدة التى ذكرناها فى الجرح والتعديل

قاعدة فى المؤرخين

نافعة جدا فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ورفعوا أناسا إما لتعصب أو لجهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به أو غير ذلك من الأسباب

والجهل فى المؤرخين أكثر منه فى أهل الجرح والتعديل وكذلك التعصب قل أن رأيت تاريخا خاليا من ذلك

وأما تاريخ شيخنا الذهبى غفر الله له فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط لا واخذه الله فلقد أكثر الوقيعة فى أهل الدين أعنى الفقراء الذين هم صفوة الخلق واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين ومال فأفرط على الأشاعرة ومدح فزاد فى المجسمة هذا وهو الحافظ المدره والإمام المبجل فما ظنك بعوام المؤرخين فالرأى عندنا ألا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين إلا بما اشترطه إمام الأئمة وحبر الأمة وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله حيث قال ونقلته من خطه فى مجاميعه يشترط فى المؤرخ الصدق وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى وألا يكون ذلك الذى نقله أخذه فى المذاكرة وكتبه بعد ذلك وأن يسمى المنقول عنه فهذه شروط أربعة فيما ينقله

ويشترط فيه أيضا لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول فى التراجم من المنقول ويقصر أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة علما ودينا وغيرهما من الصفات وهذا عزيز جدا وأن يكون حسن العبارة عارفا بمدلولات الألفاظ وأن يكون حسن التصور حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه وأن لا يغلبه الهوى فيخيل إليه هواه الإطناب فى مدح من يحبه والتقصير فى غيره بل إما أن يكون مجردا عن الهوى وهو عزيز وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه ويسلك طريق الإنصاف

فهذه أربعة شروط أخرى ولك أن تجعلها خمسة لأن حسن تصوره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف فيجعل حضور التصور زائدا على حسن التصور والعلم فهى تسعة شروط فى المؤرخ وأصعبها الاطلاع على حال الشخص فى العلم فإنه يحتاج إلى المشاركة فى علمه والقرب منه حتى يعرف مرتبته انتهى

وذكر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف على كلام ابن معين فى الشافعى وقول أحمد بن حنبل إنه لا يعرف الشافعى ولا يعرف ما يقول

قلت وما أحسن قوله ولما عساه يطول فى التراجم من المنقول ويقصر فإنه أشار به إلى فائدة جليلة يغفل عنها كثيرون ويحترز منها الموفقون وهى تطويل التراجم وتقصيرها فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا ثم يأتى إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه ويحذف كثيرا مما نقل من ممادحه ويجئ إلى من يحبه فيعكس الحال فيه ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين فى تأدية ما قيل فى حقه من حمد وذم فهو كمن يذكر بين يديه بعض الناس فيقول دعونا منه وإنه عجيب أو الله يصلحه فيظن أنه لم يغتبه بشيء من ذلك وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة

ولقد وقفت فى تاريخ الذهبى رحمه الله على ترجمة الشيخ الموفق بن قدامة الحنبلى والشيخ فخر الدين بن عساكر وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى بما لا يشك لبيب أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعرى وذاك حنبلى وسيقفون بين يدى رب العالمين

وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام وأن لا يغلبه الهوى فإن الهوى غلاب إلا لمن عصمه الله

وقوله فإما أن يتجرد عن الهوى أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه عندنا فيه زيادة فنقول

قد لا يتجرد عن الهوى ولكن لا يظنه هوى بل يظنه لجهله أو بدعته حقا وذلك لا يتطلب ما يقهر هواه لأن المستقر فى ذهنه أنه محق وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين فى العقائد بعضهم فى بعض فلا ينبغى أن يقبل قول مخالف فى العقيدة على الإطلاق إلا أن يكون ثقة وقد روى شيئا مضبوطا عاينه أو حققه

وقولنا مضبوطا احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط من الترهات التى لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء

وقولنا عاينه أو حققه ليخرج ما يرويه عمن غلا أو رخص ترويجا لعقيدته

وما أحسن اشتراطه العلم ومعرفة مدلولات الألفاظ فلقد وقع كثيرون لجهلهم بهذا وفى كتب المتقدمين جرح جماعة بالفلسفة ظنا منهم أن علم الكلام فلسفة إلى أمثال ذلك مما يطول عده

فقد قيل فى أحمد بن صالح الذى نحن فى ترجمته إنه يتفلسف والذى قال هذا لا يعرف الفلسفة

وكذلك قيل فى أبى حاتم الرازى وإنما كان رجلا متكلما

وقريب من هذا قول الذهبى فى المزى كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى ترجمة المزى فى الطبقة السابعة أنه يعرف مضايق المعقول ولم يكن المزى ولا الذهبى يدريان شيئا من المعقول

والذى أفتى به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبى فى ذم أشعرى ولا شكر حنبلى والله المستعان

توفى أحمد بن صالح سنة ثمان وأربعين ومائتين

4 أحمد بن أبى سريج الصباح النهشلى

وقيل أحمد بن عمر بن الصباح أبو جعفر الرازى البغدادى

سمعت شعيب بن حرب وأبا معاوية الضرير وابن علية ووكيعا والشافعى وجماعة

روى عنه البخارى والنسائى وأبو داود وأبو بكر بن أبى داود وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم

قال النسائى ثقة

وقال أبو حاتم صدوق

5 أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشى أبو عبيد الله المصرى الملقب ببحشل

روى عن عمه عبد الله بن وهب وعن الشافعي وجماعة

حدث عنه مسلم في الصحيح وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وابن جرير توفي سنة أربع وستين ومائتين

6 أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح القرشى الأموى مولاهم أبو الطاهر المصرى الفقيه

روى عن سفيان بن عيينة والشافعى وابن وهب وغيرهم

وعنه مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجة وطائفة آخرهم أبو بكر بن أبى داود

وكان من جلة العلماء شرح موطأ مالك وتفرد عن ابن وهب بحديث فقال

حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبى يونس عن أبى هريرة قال قال رسول الله ‏(‏ كل بنى آدم سيد والرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها ‏)‏

هذا حديث +صحيح غريب+

توفى أبو الطاهر لأربع عشرة خلت من ذى القعدة سنة خمسين ومائتين

7 أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل

هكذا نسبه ولده عبد الله واعتمده الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره وأما قول عباس الدوري وأبى بكر بن أبى داود إن الإمام أحمد كان من بنى ذهل بن شيبان فغلطهما الخطيب وقال إنما كان من بنى شيبان بن ذهل بن ثعلبة قال وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان بن ثعلبة

هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشيبانى المروزى ثم البغدادى صاحب المذهب الصابر على المحنة الناصر للسنة شيخ العصابة ومقتدى الطائفة ومن قال فيه الشافعى فيما رواه حرملة خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد

وقال المزنى أبو بكر يوم الردة وعمر يوم السقيفة وعثمان يوم الدار وعلى يوم صفين وأحمد بن حنبل يوم المحنة

وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث فقلت وما يدريك فقال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب

وعن أبى زرعة حزر كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنى عشر حملا وعدلا ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان ولا فى بطنه حدثنا فلان وكل ذلك كان يحفظه على ظهر قلبه

وقال قتيبة بن سعيد كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل فيقف على الباب فيذاكره فأخذ ليلة بعضادتى الباب ثم قال يا أبا عبد الله أريد أن ألقى عليك حديث سفيان قال هات قال تحفظ عن سفيان عن سلمة بن كهيل كذا قال نعم حدثنا يحيى فيقول سلمة كذا وكذا فيقول حدثنا عبد الرحمن فيقول وعن سلمة كذا وكذا فيقول أنت حدثتنا حتى يفرغ من سلمة

ثم يقول أحمد فتحفظ عن سلمة كذا وكذا فيقول وكيع لا ثم يأخذ فى حديث شيخ شيخ

قال فلم يزل قائما حتى جاءت الجارية فقالت قد طلع الكوكب أو قالت الزهرة

وقال عبد الله قال لى أبى خذ أى كتاب شيءت من كتب وكيع فإن شيءت أن تسألنى عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد وإن شيءت بالإسناد حتى أخبرك عن الكلام

وقال الخلال سمعت أبا القاسم بن الجبلى وكفاك به يقول أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كأن علم الدنيا بين عينيه

وقال إبراهيم الحربى رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين

وقال عبد الرزاق ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع

وقال عبد الرحمن بن مهدى ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكرت به سفيان الثورى

وقال قتيبة خير أهل زماننا ابن المبارك ثم هذا الشاب يعنى أحمد بن حنبل

وقال أيضا إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة

وقال أيضا وقد قيل له تضم أحمد إلى التابعين فقال إلى كبار التابعين

وقال أيضا لولا الثورى لمات الورع ولولا أحمد لأحدثوا فى الدين

وقال أيضا أحمد إمام الدنيا

وقال أيضا كما رواه الدارقطني فى أسماء من روى عن الشافعى مات الثورى ومات الورع ومات الشافعى وماتت السنن ويموت أحمد ابن حنبل وتظهر البدع

وقال أبو مسهر وقد قيل له هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلمه إلا شاب فى ناحية المشرق يعنى أحمد بن حنبل

وعن إسحاق أحمد حجة بين الله وخلقه

وقال أبو ثور وقد سئل عن مسألة قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا

فهذا يسير من ثناء الأئمة عليه رضى الله عنه

ولد سنة أربع وستين ومائة ببغداد جئ به إليها من مرو حملا

وتفقه على الشافعى وهو الحاكى عنه أنه جوز بيع الباقلاء فى قشريه

وأن السيد يلاعن أمته وكان يقول ألا تعجبون من أبى عبد الله يقول يلاعن السيد عن أم ولده

واختلف الأصحاب فى هذا فمنهم من قطع بخلافه وحمل قول أحمد على أن مراده بأبى عبد الله إما مالك وإما سفيان

وضعف الرويانى هذا بأنه روى عنه أنه قال ألا تعجبون من الشافعى ومنهم من تأوله بتأويل آخر

قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول طلبت الحديث سنة تسع وسبعين

قلت ومن شيوخه هشيم وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد وجرير بن عبد الحميد ويحيى القطان والوليد بن مسلم وإسماعيل بن علية وعلى بن هاشم بن البريد ومعتمر بن سليمان وغندر وبشر بن المفضل وزياد البكائى ويحيى بن أبى زائدة وأبو يوسف القاضى ووكيع وابن نمير وعبد الرحمن بن مهدى ويزيد بن هارون وعبد الرزاق والشافعى وخلق

وممن روى عنه البخارى ومسلم وأبو داود وابناه صالح وعبد الله

ومن شيوخه عبد الرزاق والحسن بن موسى الأشيب قيل والشافعى فى بعض الأماكن التى قال فيها أخبرنا الثقة

وقد كنت أنا لما قرأت مسند الشافعى على شيخنا أبى عبد الله الحافظ سألته فى كل مكان من تلك فكان بعضها يتعين أن يكون مراده به يحيى بن حسان كما قيل إنه المقصود به دائما وبعضها يتعين أنه يريد به إبراهيم بن أبى يحيى وبعضها يتردد

وذلك معلق عندى فى مجموع مما علقته عن شيخنا رحمه الله وأكثرها لا يمكن أنه يريد به أحمد بن حنبل مثل قوله أخبرنا الثقة عن أبى إسحاق فلا يمكن أن يريد به أحمد بل إما إبراهيم بن سعد أو غيره

ومثل قوله أخبرنا الثقة عن ابن شهاب يحتمل مالكا وابن سعد وسفيان ابن عيينة ولا ثالث لهم فى أشياخ الشافعى

ومثل قوله الثقة عن معمر فهو إما هشام بن يوسف الصغانى أو عبد الرزاق

ومثل قوله الثقة من أصحابنا عن هشام بن حسان قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحافظ لعله يحيى القطان

ومثل قوله الثقة عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله قال لى محمد ابن أحمد الحافظ إنه يحيى بن حسان التنيسى

ومثل مواضع أخر تركتها اختصارا

وروى عنه من أقرانه على بن المدينى ويحيى بن معين ودحيم الشامى وغيرهم

قال الخطيب ولد أبو عبد الله ببغداد ونشأ بها وبهامات وطلب العلم ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة

قلت وألف مسنده وهو أصل من أصول هذه الأمة

قال الإمام الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر المدينى رضى الله عنه هذا الكتاب يعنى مسند الإمام أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى قدس الله روحه أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقى من أحاديث كثيرة ومسموعات وافرة فجعل إماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا على ما أخبرنا والدى وغيره رحمهما الله أن المبارك بن عبد الجبار أبا الحسين كتب إليهما من بغداد قال

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكى قراءة عليه أخبرنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن بطة قراءة عليه حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجا حدثنا موسى بن حمدون البزار قال قال لنا حنبل بن إسحاق جمعنا عمى يعنى الإمام أحمد لى ولصالح ولعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه يعنى تاما غيرنا وقال لنا إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله فارجعوا إليه فإن كان فيه وإلا ليس بحجة

وقال عبد الله بن أحمد رضى الله عنهما كتب أبى عشرة آلاف ألف حديث لم يكتب سوادا فى بياض إلا حفظه

وقال عبد الله أيضا قلت لأبى لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند فقال عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس فى سنة عن رسول الله رجع إليه

وقال أيضا خرج أبى المسند من سبعمائة ألف حديث

قال أبو موسى المدينى ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن فى أمانته

ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد رضى الله عنهما قال سألت أبى عن عبد العزيز بن أبان فقال لم أخرج عنه فى المسند شيئا لما حدث بحديث المواقيت تركته

قال أبو موسى فأما عدد أحاديث المسند فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفا إلى أن قرأت على أبى منصور بن زريق ببغداد قال أخبرنا أبو بكر الخطيب قال وقال ابن المنادى لم يكن فى الدنيا أحد أروى عن أبيه منه يعنى عبد الله ابن الإمام أحمد ابن حنبل لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفا سمع منها ثلاثين ألفا والباقى زيادة فلا أدرى هذا الذى ذكر ابن المنادى أراد به مالا مكرر فيه أو أراد غيره مع المكرر فيصح القولان جميعا والاعتماد على قول ابن المنادى دون غيره

قال ولو وجدنا فراغا لعددناه إن شاء الله تعالى فأما عدد الصحابة رضى الله عنهم فيه فنحو من سبعمائة رجل

قال أبو موسى ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رضى الله عنه مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتنا ولم يورد فيه إلا ما صح سنده ما أخبرنا به أبو على الحداد

قال أخبرنا أبو نعيم وأخبرنا ابن الحصين أخبرنا ابن المذهب قالا أخبرنا القطيعى حدثنا عبد الله قال حدثنا أبى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبى التياح قال سمعت أبا زرعة يحدث عن أبى هريرة عن رسول الله أنه قال ‏(‏ يهلك أمتى هذا الحى من قريش قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال لو أن الناس اعتزلوهم ‏)‏

قال عبد الله قال لى أبى فى مرضه الذى مات فيه اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي يعنى قوله ‏(‏ اسمعوا وأطيعوا ‏)‏ وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه فكان على ما قلناه آخر ما ذكره أبو موسى المدينى رحمه الله مختصرا

قال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى أخبرنا الحسين بن شجاع الصوفى قال أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم حدثنا أحمد بن على الأبار قال سمعت سفيان بن وكيع يقول أحمد عندنا محنة من عاب أحمد عندنا فهو فاسق

وقال الخطيب أيضا حدثنى الحسن بن أبى طالب حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان حدثنا محمد بن على المقرى قال أنشدنا أبو جعفر محمد بن بدينا الموصلى قال أنشدنى ابن أعين فى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وأرضاه

أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ** وبحب أحمد يعرف المتنسك

وإذا رأيت لأحمد متنقصا ** فاعلم بأن ستوره ستهتك

روى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسن بن عساكر رحمه الله فى بعض تصانيفه فقال

أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن منصور الفقيه وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون قالا أخبرنا الخطيب فذكرهما

وأما زهد الإمام أحمد رضى الله عنه وورعه وتقلله من الدنيا فقد سارت بأخباره الركبان

وقد أفرد جماعة من الأئمة التصنيف فى مناقبه منهم البيهقى وأبو إسماعيل الأنصارى وأبو الفرج بن الجوزى

توفى رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومائتين لا ثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وقد غلط ابن قانع وغيره فقالوا ربيع الآخر

قال المروذى مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول ومرض تسعة أيام وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون عليه ويرد عليهم وتسامع الناس وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس فى الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين البيع والشراء وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وطرز الحاكة وربما تسلق وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه حاجب ابن طاهر فقال إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهى أن يراك فقال هذا مما أكره وأمير المؤمنين أعفانى مما أكره وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم ودخل عليه شيخ فقال اذكر وقوفك بين يدى الله فشهق أبو عبد الله وسالت الدموع على خديه

فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال ادعوا لى الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه فجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع وأدخلت الطست تحته فرأيت بوله دما عبيطا ليس فيه بول فقلت للطبيب فقال هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه

واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال خلل الأصابع فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع

قال المروذى أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة

قال موسى بن هارون الحافظ يقال إن أحمد لما مات مسحت الأرض المبسوطة التى وقف الناس للصلاة عليها فحصر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان فى الأطراف والأماكن المتفرقة

قلت وقيل فى عدد المصلين عليه كثير قيل كانوا ألف ألف وثلثمائة ألف سوى من كان فى السفن فى الماء كذا رواه خشنام بن سعيد

وقال ابن أبى حاتم سمعت أبا زرعة يقول بلغنى أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذى وقف عليه الناس حيث صلى على أحمد فبلغ مقام ألفى ألف وخمسمائة ألف

وعن الوركانى وهو رجل كان يسكن إلى جوار الإمام أحمد قال أسلم يوم مات أحمد من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفا وفى لفظ عشرة آلاف

قال شيخنا الذهبى وهى حكاية منكرة تفرد بها الوركانى والراوى عنه قال والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحادث فى بغداد ولا يرويه جماعة تتوفر دواعيهم على نقل ما هو دونه بكثير وكيف يقع مثل هذا الأمر ولا يذكره المروزى ولا صالح ابن أحمد ولا عبد الله ولا حنبل الذين حكوا من أخبار أبى عبد الله جزئيات كثيرة

قال فوالله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيما ينبغى أن يرويه نحو من عشرة أنفس

أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفر بقراءتى عليه أخبرنا عبد الواسع بن عبد الكافى الأبهرى إجازة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبى جعفر بن على القرظى سماعا أخبرنا القاسم بن الحافظ أبى القاسم على بن الحسن بن هبة الله بن على بن عساكر أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخوارى إجازة وحدثنا عنه به أبى سماعا

ح قال ابن المظفر وأخبرنا يوسف بن محمد المصرى إجازة أخبرنا إبراهيم بن بركات الخشوعى سماعا أخبرنا الحافظ أبو القاسم إجازة أخبرنا عبد الجبار الخوارى حدثنا الإمام أبو سعيد القشيرى إملاء حدثنا الحاكم أبو جعفر محمد بن محمد الصفار أخبرنا عبد الله بن يوسف قال سمعت محمد بن عبد لله الرازى قال سمعت أبا جعفر محمد الملطى يقول قال الربيع بن سليمان إن الشافعى رضى الله عنه خرج إلى مصر فقال لى يا ربيع خذ كتابى هذا فامض به وسلمه إلى أبى عبد الله وائتنى بالجواب

قال الربيع فدخلت بغداد ومعى الكتاب فصادفت أحمد ابن حنبل فى صلاة الصبح فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت هذا كتاب أخيك الشافعى من مصر فقال لى أحمد نظرت فيه فقلت لا فكسر الختم وقرأ وتغرغرت عيناه فقلت له أيش فيه أبا عبد الله فقال يذكر فيه أنه رأى النبى فى النوم فقال له اكتب إلى أبى عبد الله فاقرأ عليه السلام وقل له إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة قال الربيع فقلت له البشارة يا أبا عبد الله فخلع أحد قميصيه الذى يلى جلده فأعطانيه فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر وسلمته إلى الشافعى رضى الله عنه فقال أيش الذى أعطاك فقلت قميصه فقال الشافعى ليس نفجعك به ولكن بله وادفع إلى الماء لأتبرك به

قال العباس بن محمد الدورى سمعت أبا جعفر الأنبارى يقول لما حمل أحمد يراد به المأمون اجتزت فعبرت الفرات إليه فإذا هو فى الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت فقلت ليس هذا عناء قال فقلت له يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله إن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت ولا بد من الموت فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء فجعل أحمد يبكى وهو يقول ما شاء الله ما شاء الله قال ثم قال لى أحمد يا أبا جعفر أعد على ما قلت قال فأعدت عليه قال فجعل أحمد يقول ما شاء الله ما شاء الله

وقال دعلج بن أحمد السجستانى حدثنا أبو بكر السهروردى بمكة قال رأيت أبا ذر بسهرورد وقد قدم مع واليها وكان مقطعا بالبرص يعنى وكان ممن ضرب أحمد بين يدى المعتصم قال دعينا فى تلك الليلة ونحن خمسون ومائة جلاد فلما أمرنا بضربه كنا نغدوا على ضربه ونمر ثم يجئ الآخر على أثره ثم يضرب

وقال دعلج أيضا حدثنا الخضر بن داود أخبرنى أبو بكر النحامى قال لما كان فى تلك الغداة التى ضرب فيها أحمد بن حنبل زلزلنا ونحن بعبادان

وقال البخارى لما ضرب أحمد كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد يقول لو كان هذا فى بنى إسرائيل لكان أحدوثة

ذكر الداهية الدهياء والمصيبة الصماء

وهى محنة علماء الزمان ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن وقيام الأحمدين ابن حنبل الشيبانى وابن نصر الخزاعى رضى الله عنهما مقام الصديقين وما اتفق فى تلك الكائنة من أعاجيب تتناقلها الرواة على ممر السنين

كان القاضى أحمد بن أبى دؤاد ممن نشأ فى العلم وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السلمى صاحب واصل بن عطاء أحد رءوس المعتزلة وكان ابن أبى دؤاد رجلا فصيحا قال أبو العيناء ما رأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق منه وكان كريما ممدحا وفيه يقول بعضهم

لقد أنست مساوى كل دهر ** محاسن أحمد بن دؤاد

وما طوفت فى الآفاق إلا ** ومن جدواك راحلتى وزادى

يقيم الظن عندك والأمانى ** وإن قلقت ركابى فى البلاد

وكان معظما عند المأمون أمير المؤمنين يقبل شفاعاته ويصغى إلى كلامه وأخباره فى هذا كثيرة

فدس ابن أبى دؤاد له القول بخلق القرآن وحسنه عنده وصيره يعتقده حقا مبينا إلى أن أجمع رأيه فى سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعى ابن عم طاهر بن الحسين فى امتحان العلماء كتابا يقول فيه

وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاء بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال تعالى ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏}‏ فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال ‏{‏وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏}‏ وقال ‏{‏نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ‏}‏ فأخبره أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال ‏{‏أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏}‏ والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فنزعوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم

إلى أن قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا أوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق فى أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق أن يتهم فى صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمى عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون فى خلق الله وإحداثه وأعلمهم أنى غير مستعين فى عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه

فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم فى القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك

وكتب المأمون إليه أيضا فى إشخاص سبعة أنفس وهم

محمد بن سعد كاتب الواقدى ويحيى بن معين وأبو خيثمة وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبى مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقى

فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية

وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون

فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفا من السيف

ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد ابن حنبل وبشر بن الوليد الكندى وأبو حسان الزيادى وعلى بن أبى مقاتل والفضل بن غانم وعبيد الله بن عمر القواريرى وعلى بن الجعد وسجادة والذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وكان حينئذ ببغداد وسعدوية الواسطى وإسحاق بن أبى إسرائيل وابن الهرش وابن علية الأكبر ومحمد بن نوح العجلى ويحيى بن عبد الرحمن العمرى وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعى ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا

فقال لبشر بن الوليد ما تقول قال قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال أقول كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه

ثم قال لعلى بن أبى مقاتل ما تقول قال القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا

وأجاب أبو حسان الزيادى بنحو من ذلك

ثم قال لأحمد ابن حنبل ما تقول قال كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد على هذا

ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم

وقال ابن البكاء الأكبر أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق قال نعم قال فالقرآن مخلوق قال لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون

بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرياسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية

ويقول فى الكتاب فأما ما قال بشر فقد كذب ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه فى ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه

وكذلك إبراهيم بن المهدى فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه

وأما على بن أبى مقاتل فقل له ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم وأما الذيال فأعلمه أنه كان فى الطعام الذى سرقه من الأنبار ما يشغله

وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب فى القرآن فأعلمه أنه صبى في عقله لا فى سنه جاهل سيحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك

وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وآفته بها

وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال فى أقل من سنة يعنى فى ولايته القضاء

وأما الزيادى فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء دعى فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد بن أبيه وإنما قيل له الزيادى لأمر من الأمور

قال وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم فى الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله فى أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا وصاروا للنصارى شبها

وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذى كان استحل من مال الأمير على بن هشام

وأما سعدوية الواسطى فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرياسة فيه أن يتمنى وقت المحنة

وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن فى شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد

وأما القواريرى ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه

وأما يحيى العمرى فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف

وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التى حكيت عنه وأنه بعد صبى يحتاج إلى أن يعلم

وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبى مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته فى القرآن فجمجم عنها ولجلج فيها حتى دعاه أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فانصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره

ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدى فاحملهم موثوقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا حملهم على السيف

قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد بن نوح والقواريرى فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم فى القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريرى ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس ثم بلغ المأمون أنهم أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرج

وأما محمد بن نوح فكان عديلا لأحمد بن حنبل فى المحمل فمات فغسله أحمد بالرحبة وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى

وأما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه فأتاه وهو مجهود

وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها من عبد الله المأمون وأخيه أبى إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون وقيل بل كتبوا ذلك وقت غشى أصابه فأقام العباس عنده أياما حتى مات

وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن ثم توفى فى رجب ودفن بطرسوس واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة

فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه فلم يكن ضربه على يديه

وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع وأول من امتحن فيها من العلماء عفان بن مسلم الحافظ ولما دعى وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع قيل قد رسمنا بقطع عطائك وكان يعطى ألف درهم فى كل شهر فقال ‏{‏وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ‏}‏ وكانت عنده عائلة كبيرة قيل فدق عليه الباب داق فى ذلك اليوم لا يعرف وقال خذ هذه الألف ولك كل شهر عندى ألف يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الدين ثم امتحن الناس بعده

قال محمد بن إبراهيم البوشنجى سمعت أحمد ابن حنبل يقول تبينت الإجابة فى دعوتين دعوت الله أن لا يجمع بينى وبين المأمون ودعوته أن لا أرى المتوكل فلم أر المأمون مات بالبذندون وهو نهر الروم وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد

وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده قعد له المتوكل فى خوخة حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد

قال صالح لما صدر أبى ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا فى أقيادهما فلما صار إلى الرقة حملا فى سفينة فلما وصلا إلى عانات توفى محمد فأطلق عنه قيده وصلى عليه أبى

وقال حنبل قال أبو عبد الله ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح وإنى لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لى ذات يوم يا أبا عبد الله الله الله إنك لست مثلى أنت رجل يقتدى بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته أظنه قال بعانة

قال صالح صار أبى إلى بغداد مقيدا فمكث بالياسرية أياما ثم حبس بدار اكتريت له عند دار عمارة ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة فى درب الموصلية فقال إنى كنت أصلى بأهل السجن وأنا مقيد فلما كان فى رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم

وأما حنبل بن إسحاق فقال حبس أبو عبد الله فى دار عمارة ببغداد فى إسطبل لمحمد بن إبراهيم أخى إسحاق بن إبراهيم وكان فى حبس ضيق ومرض فى رمضان فحبس فى ذلك الحبس قليلا ثم حول إلى حبس العامة فمكث فى السجن نحوا من ثلاثين شهرا فكنا نأتيه ونقرأ عليه كتاب الإرجاء وغيره فى الحبس فرأيته يصلى بأهل الحبس وعليه القيد وكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم

وكان يوجه إلى كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظرانى حتى إذا أرادا الانصراف دعى بقيد فزيد فى قيودى قال فصار فى رجله أربعة أقياد

قال أبى فلما كان فى اليوم الثالث دخل على أحد الرجلين فناظرنى فقلت له ما تقول فى علم الله

قال علم الله مخلوق

فقلت له كفرت

فقال الرسول الذى كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم إن هذا رسول أمير المؤمنين

فقلت له إن هذا قد كفر

فلما كان فى الليلة الرابعة وجه يعنى المعتصم ببغا الذى كان يقال له الكبير إلى إسحاق فأمره بحملى إليه فأدخلت على إسحاق فقال يا أحمد إنها والله نفسك إنه لا يقتلك بالسيف إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب وأن يلقيك فى موضع لا ترى فيه شمس ولا قمر أليس قد قال الله عز وجل ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏}‏ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا قلت فقد قال تعالى ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ‏}‏ أفخلقهم قال فسكت

فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت وجئ بدابة فحملت عليها وعلى الأقياد ما معى أحد يمسكنى فكدت غير مرة أن أخر على وجهى لثقل القيود فجئ بى إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة وأدخلت إلى بيت وأقفل الباب على وذلك فى جوف الليل وليس فى البيت سراج فأردت أن أتمسح للصلاة فمددت يدى فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت

فلما كان من الغد أخرجت تكتى من سراويلى وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلى فجاء رسول المعتصم فقال أجب فأخذ بيدى وأدخلنى عليه والتكة فى يدى أحمل بها الأقياد وإذا هو جالس وابن أبى دؤاد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه فقال له يعنى المعتصم أدنه أدنه فلم يزل يدنينى حتى قربت منه ثم قال لى اجلس فجلست وقد أثقلتنى الأقياد فمكثت قليلا ثم قلت أتأذن لى فى الكلام فقال تكلم

فقلت إلى ما دعا الله ورسوله

فسكت هنيئة ثم قال إلى شهادة أن لا إله إلا الله

فقلت فأنا أشهد أن لا إله إلا الله

ثم قلت إن جدك ابن عباس يقول لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله سألوه عن الإيمان فقال ‏(‏ أتدرون ما الإيمان قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم ‏)‏

قال أبى قال يعنى المعتصم لولا أنى وجدتك فى يد من كان قبلى ما عرضت لك ثم قال يا عبد الرحمن بن إسحاق ألم آمرك برفع المحنة فقلت الله أكبر إن فى هذا لفرجا للمسلمين

ثم قال لهم ناظروه كلموه يا عبد الرحمن كلمه

فقال لى عبد الرحمن ما تقول فى القرآن

قلت له ما تقول فى علم الله فسكت

فقال لى بعضهم أليس قد قال الله تعالى ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ والقرآن أليس هو شيء فقلت قال الله ‏{‏تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا‏}‏ فدمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم قال الله عز وجل ‏{‏مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏}‏ أفيكون محدثا إلا مخلوقا

فقلت قال الله ‏{‏ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ‏}‏ فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولا لام

وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين أن الله عز وجل خلق الذكر

فقلت هذا خطأ حدثنا غير واحد أن الله كتب الذكر

واحتجوا بحديث ابن مسعود ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسى

فقلت إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن

فقال بعضهم حديث خباب يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه

فقلت هكذا هو

قال صالح بن أحمد فجعل أحمد بن أبى دؤاد ينظر إلى أبى كالمغضب

قال أبى وكان يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبى دؤاد فيقول يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع فيقول كلموه ناظروه فيكلمنى هذا فأرد عليه ويكلمنى هذا فأرد عليه فإذا انقطعوا يقول لى المعتصم ويحك يا أحمد ما تقول فأقول يا أمير المؤمنين أعطونى شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به فيقول ابن أبى دؤاد أنت لا تقول إلا ما فى كتاب الله أو سنة رسول الله فقلت له تأولت تأويلا فأنت أعلم وما تأولت ما يحبس عليه وما يقيد عليه

ثم إن المعتصم دعا أحمد مرتين فى مجلسين يطول شرحهما وهو يدعوه إلى البدعة وأحمد رضى الله عنه يأبى عليه أشد الإباء

قال أحمد رضى الله عنه ولما كانت الليلة الثالثة قلت خليق أن يحدث غدا من أمرى شيء فقلت لبعض من كان معى الموكل بى ارتد لى خيطا فجاءنى بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلى مخافة أن يحدث من أمرى شيء فأتعرى

فلما كان من الغد فى اليوم الثالث وجه إلى فأدخلت فإذا الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك ولم يكن فى اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال اقعد ثم قال ناظروه كلموه فجعلوا يناظروني ويتكلم هذا فأرد عليه وجعل صوتى يعلو أصواتهم فجعل بعض من على رأسه قائم يومى إلى بيده فلما طال المجلس نحانى ثم خلا بهم ثم نحاهم وردنى إلى عنده وقال ويحك يا أحمد أجبنى حتى أطلق عنك بيدى فرددت عليه نحوا مما كنت أرد فقال لى عليك وذكر اللعن وقال خذوه واسحبوه واخلعوه قال فسحبت ثم خلعت

قال وقد كان صار إلى شعر من شعر النبي فى كم قميصى فوجه إلى إسحاق ابن إبراهيم ما هذا المصرور فى كمك قلت شعر من شعر رسول الله

قال وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه على فقال لهم يعنى المعتصم لا تخرقوه فنزع القميص عنى قال فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذى كان فيه

قال وجلس على كرسى يعنى المعتصم ثم قال العقابين والسياط فجيء بالعقابين فمدت يداى فقال بعض من حضر خلفى خذ بأى الخشبتين بيديك وشد عليهما فلم أفهم ما قال فتخلعت يداى

وقال محمد بن إبراهيم البوشنجى ذكروا أن المعتصم لان فى أمر أحمد لما علق فى العقابين ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته فى أمره حتى أغراه ابن أبى دؤاد وقال له إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله فهاجه ذلك على ضربه

قال صالح قال أبى لما جئ بالسياط نظر إليها المعتصم وقال ائتونى بغيرها ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلى الرجل منهم فيضربنى سوطين فيقول له شد قطع الله يدك ثم يتنحى ويتقدم الآخر فيضربنى سوطين وهو يقول فى كل ذلك شد قطع الله يدك فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلى يعنى المعتصم فقال يا أحمد علام تقتل نفسك إنى والله عليك لشفيق

قال فجعل عجيف ينخسنى بقائمة سيفه ويقول أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم

وجعل بعضهم يقول ويلك الخليفة على رأسك قائم وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه فى عنقى اقتله وجعلوا يقولون يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت فى الشمس قائم فقال لى ويحك يا أحمد ما تقول فأقول أعطونى شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به فرجع وجلس وقال للجلاد تقدم وأوجع قطع الله يدك ثم قام الثانية فجعل يقول ويحك يا أحمد أجبنى فجعلوا يقبلون على ويقولون يا أحمد إمامك على رأسك قائم وجعل عبد الرحمن يقول من صنع من أصحابك فى هذا الأمر ما تصنع وجعل المعتصم يقول ويحك أجبنى إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدى فقلت يا أمير المؤمنين أعطونى شيئا من كتاب الله فرجع وقال للجلادين تقدموا فجعل الجلاد يتقدم ويضربنى سوطين ويتنحى فى خلال ذلك يقول شد قطع الله يدك

قال أبى فذهب عقلى فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عنى فقال لى رجل ممن حضر إنا كببناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ودسناك قال أبى فما شعرت بذلك وأتونى بسويق فقالوا لى اشرب وتقيأ فقلت لا أفطر

ثم جيء بى إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى فلما انفتل من الصلاة قال لى صليت والدم يسيل فى ثوبك فقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دما

قال صالح ثم خلى عنه فصار إلى منزله وكان مكثه فى السجن مذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلى عنه ثمانية وعشرين شهرا

ولقد أخبرنى أحد الرجلين اللذين كانا معه قال يا ابن أخى رحمة الله على أبى عبد الله والله ما رأيت أحدا يشبهه ولقد جعلت أقول له فى وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت فى موضع تقية ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولنى فناوله قدحا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيئه ثم رده ولم يشرب فجعلت أتعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول

قال صالح كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا فى تلك الأيام فلم أقدر

وأخبرنى رجل حضره أنه تفقده فى هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن فى كلمة قال وما ظننت أن أحدا يكون فى مثل شجاعته وشدة قلبه

وروى أنه لما ضرب سوطا قال بسم الله فلما ضرب الثانى قال لا حول ولا قوة إلا بالله فلما ضرب الثالث قال القرآن كلام الله غير مخلوق فلما ضرب الرابع قال ‏{‏قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا‏}‏ فضربه تسعة وعشرين سوطا

وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه فما كان بأسرع من ثبوت السراويل على حاله لم تتزحزح

قال الراوى فدخلت على أحمد بعد سبعة أيام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء فثبت ما الذى قلت قال قلت اللهم إنى أسألك باسمك الذى ملأت به العرش إن كنت تعلم أنى على الصواب فلا تهتك لى سترا

وفى رواية لما أقبل الدم من أكتافه انقطع خيط السراويل ونزل فرفع طرفه إلى السماء فعاد من لحظته فسئل أحمد فقال قلت إلهى وسيدى وقفتنى هذا الموقف فلا تهتكنى على رءوس الخلائق

وروى أنه كان كلما ضرب سوطا أبرأ ذمة المعتصم فسئل فقال كرهت أن آتى يوم القيامة فيقال هذا غريم ابن عم النبى أو رجل من أهل بيت النبى

فهذا مختصر من حال الإمام أحمد فى المحنة رحمه الله تعالى ورضى عنه

وأما الأستاذ أحمد بن نصر الخزاعى ذو الجنان واللسان والثبات وإن اضطرب المهند والسنان والوثبات وإن ملأت نار الفتنة كل مكان فإنه كان شيخا جليلا قوالا بالحق أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر وكان من أولاد الأمراء وكانت محنته على يد الواثق

قال له ما تقول فى القرآن قال كلام الله وأصر على ذلك غير متلعثم فقال بعض الحاضرين هو حلال الدم فقال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين شيخ مختل لعل به عاهة أو تغير عقل يؤخر أمره ويستتاب فقال الواثق ما أراه إلا مؤديا لكفره قائما بما يعتقده منه ثم دعا بالصمصامة وقال إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معى فإنى أحتسب خطاى إلى هذا الكافر الذى يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التى وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد وأمر أن يشد رأسه بحبل وأمرهم أن يمدوه ومشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصبت بالجانب الشرقى أياما وفى الجانب الغربى أياما وتتبع رؤوس أصحابه فسجنوا

وقال الحسن بن محمد الخرقى سمعت جعفر بن محمد الصائغ يقول رأيت أحمد بن نصر حيث ضربت عنقه قال رأسه لا إله إلا الله

قال المروذى سمعت أبا عبد الله وذكر أحمد بن نصر فقال رحمه الله ما كان أسخاه لقد جاد بنفسه

وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى ترجمة أبى العباس أحمد بن سعيد المروذى وهو فى الطبقة الخامسة من تاريخ نيسابور سمعت أبا العباس السيارى يقول سمعت أبا العباس بن سعد يقول لم يصبر فى المحنة إلا أربعة كلهم من أهل مرو أحمد بن حنبل أبو عبد الله وأحمد بن نصر بن مالك الخزاعى ومحمد بن نوح بن ميمون المضروب ونعيم بن حماد وقد مات فى السجن مقيدا

فأما أحمد بن نصر فضربت عنقه وهذه نسخة الرقعة المعلقة فى أذن أحمد بن نصر بن مالك

بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون وهو الواثق بالله أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فأبى إلا المعاندة فجعله الله إلى ناره وكتب محمد بن عبد الملك

ومات محمد بن نوح فى فتنة المأمون

والمعتصم ضرب أحمد ابن حنبل

والواثق قتل أحمد بن نصر بن مالك وكذلك نعيم بن حماد

ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد العزيز بن يحيى الكنانى فقال يا أمير المؤمنين ما رؤى أعجب من أمر الواثق قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن قال فوجد المتوكل من ذلك وساءه ما سمعه فى أخيه إذ دخل عليه محمد بن عبد الملك الزيات فقال له يا ابن عبد الملك فى قلبى من قتل أحمد بن نصر فقال يا أمير المؤمنين أحرقنى الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا

قال ودخل عليه هرثمة فقال يا هرثمة فى قلبى من قتل أحمد بن نصر فقال يا أمير المؤمنين قطعنى الله إربا إربا إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا

قال ودخل عليه أحمد بن أبى دؤاد فقال يا أحمد فى قلبى من قتل أحمد بن نصر فقال يا أمير المؤمنين ضربنى الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا

قال المتوكل فأما الزيات فأنا أحرقته بالنار وأما هرثمة فإنه هرب وتبدى واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحى فقال يا معشر خزاعة هذا الذى قتل أحمد بن نصر فقطعوه إربا إربا

وأما أحمد بن أبى دؤاد فقد سجنه الله فى جلده

قلت وبلغني وما أراه إلا فى تاريخ الحاكم أن بعض الأمراء خرج يتصيد فألقاه السير على أرض فنزل بها فبحث بعض غلمانه فى التراب فحفر حتى رأى ميتا فى قبره طريا وهو فى ناحية ورأسه فى ناحية وفى أذنه رقعة عليها شيء مكتوب فأحضر من قرأه فإذا هو بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر الكلمات السابقة فعلموا أنه رأس أحمد الخزاعى فدفن ورفع سنام قبره وكان هذا فى زمن الحاكم أبى عبد الله الحافظ وهو على طراوته وكيف لا وهو شهيد رحمه الله ورضى عنه

وقد طال أمر هذه الفتنة وطار شررها واستمرت من هذه السنة التى هى سنة ثمان عشرة ومائتين إلى سنة أربع وثلاثين ومائتين فرفعها المتوكل فى مجلسه ونهى عن القول بخلق القرآن وكتب بذلك إلى الآفاق وتوفر دعاء الخلق له وبالغوا فى الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق يوم الردة وعمر بن عبد العزيز فى رد المظالم والمتوكل فى إحياء السنة

وسكت الناس عن ذنوب المتوكل وقد كانت العامة تنقم عليه شيئين أحدهما أنه ندب لدمشق أفريدون التركى أحد مماليكه وسيره واليا عليها وكان ظالما فاتكا فقدم فى سبعة آلاف فارس وأباح له المتوكل القتل فى دمشق والنهب على ما نقل إلينا ثلاث ساعات فنزل ببيت لهيا وأراد أن يصبح البلد فلما أصبح نظر إلى البلد وقال يا يوم تصبحك منى فقدمت له بغلة فضربته بالزوج فقتلته وقبره ببيت لهيا ورد الجيش الذى معه خائبين وبلغ المتوكل فصلحت نيته لأهل دمشق

والثانى أنه أمر بهدم قبر الحسين رضى الله عنه وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وحرث وبقى صحراء فتألم المسلمون لذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه دعبل وغيره من الشعراء وقال قائلهم

بالله إن كانت أمية قد أتت ** قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ** فى قتله فتتبعوه رميما

قلت لقد كانت هاتان الواقعتان الفظيعتان فى سنة ست وثلاثين ومائتين ورفع المحنة قبلها بسنتين فهى ذنوب لاحقة لرفع الفتنة لا سابقة عليها

وكان من الأسباب فى رفع الفتنة أن الواثق أتى بشيخ مقيد فقال له ابن أبى دؤاد يا شيخ ما تقول فى القرآن أمخلوق هو

فقال له الشيخ لم تنصفنى المسألة أنا أسألك قبل الجواب هذا الذى تقوله يا ابن أبى دؤاد من خلق القرآن شيء علمه رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أو جهلوه

فقال بل علموه

فقال فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أنت أو سكتوا

قال بل سكتوا

قال فهلا وسعك ما وسعهم من السكوت

فسكت ابن أبى دؤاد وأعجب الواثق كلامه وأمر بإطلاق سبيله وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكى يقول هلا وسعك ما وسعهم يكرر هذه الكلمة وكان ذلك من الأسباب فى خمود الفتنة وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل

وهذا الذى أوردناه فى هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان ومنهم من زاد فيها ما لا يثبت فاضبط ما أثبتناه ودع ما عداه فليس عند ابن أبى دؤاد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول جهلوه وإنما نسبة هذا إليه تعصب عليه والحق وسط فابن أبى دؤاد مبتدع ضال مبطل لا محالة ولا ينتهى أمره إلى أن يدعى أن شيئا ظهر له وخفى على رسول الله والخلفاء الراشدين كما حكى عنه فى هذه الحكاية فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنه أحد يتزيى بزى المسلمين ولو فاه به ابن أبى دؤاد لفرق الواثق من ساعته بين رأسه وبدنه

وشيخنا الذهبى وإن كان فى ترجمة ابن أبى دؤاد حكى الحكاية على الوجه الذى لا نرضاه فقد أوردها فى ترجمة الواثق من غير ما وجه على الوجه الثابت

ولنقطع عنان الكلام فى هذه الفتنة ففيما أوردناه فيها مقنع وبلاغ وقد أعلمناك أنها لبثت شطرا من خلافة المأمون واستوعبت خلافة المعتصم والواثق وارتفعت فى خلافة المتوكل وقد كان المأمون الذى افتتحت فى أيامه

وهو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد ممن عنى بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها واجتمع عليه جمع من علمائها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن وذكر المؤرخون أنه كان بارعا فى الفقه والعربية وأيام الناس ولكنه كان ذا حزم وعزم وحلم وعلم ودهاء وهيبة وذكاء وسماحة وفطنة وفصاحة ودين

قيل ختم فى رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة وصعد فى يوم منبرا وحدث فأورد بسنده نحوا من ثلاثين حديثا بحضور القاضى يحيى بن أكثم ثم قال له يا يحيى كيف رأيت مجلسنا فقال أجل مجلس يفقه الخاصة والعامة فقال ما رأيت له حلاوة إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر

وقيل تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة وقال يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به السبل فقال ما تحفظ فى باب كذا فلم يذكر شيئا قيل فما زال المأمون يقول حدثنا هشيم وحدثنا يحيى وحدثنا حجاج حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب آخر فلم يذكر فيه شيئا فقال المأمون حدثنا فلان وحدثنا فلان إلى أن قال لأصحابه يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاثة دراهم قلت وكان المأمون من الكرم بمكان مكين بحيث إنه فرق فى ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق وإنما اقتصر فى عطاء هذا السائل فيما نراه والله أعلم لما رأى منه من التمعلم وليس هو هناك ولعله فهم عنه التعاظم بالعلم عليه كما هو شأن كثير ممن يدخل إلى الأمراء ويظنهم جهلة على العادة الغالبة

وكان المأمون كثير العفو والصفح

ومن كلامه لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلى بالجرائم وأخاف أن لا أؤجر فيه يعنى لكونه طبعا له

قال يحيى بن أكثم كان المأمون يحلم حتى يغيظنا

وقيل إن ملاحا مر والمأمون جالس فقال أتظنون أن هذا ينبل فى عينى وقد قتل أخاه الأمين يشير إلى المأمون فسمعه المأمون وظن الحاضرون أنه سيقضى عليه فلم يزد المأمون على أن تبسم وقال ما الحيلة حتى أنبل فى عين هذا السيد الجليل

ولسنا نستوعب ترجمة المأمون فإن الأوراق تضيق بها وكتابنا غير موضوع لها وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير وجره القليل الذى كان يدريه من علوم الأوائل إلى القول بخلق القرآن كما جره اليسير الذى كان يدريه فى الفقه إلى القول بإباحة متعة النساء ثم كان ملكا مطاعا فحمل الناس على معتقده ولقد نادى بإباحة متعة النساء ثم لم يزل به يحيى بن أكثم رحمه الله حتى أبطلها وروى له حديث الزهرى عن ابنى الحنفية عن أبيهما محمد عن على رضى الله عنه أن رسول الله نهى عن متعة النساء يوم خيبر فلما صحح له الحديث رجع إلى الحق وأما مسأله خلق القرآن فلم يرجع عنها

وكان قد ابتدأ بالكلام فيها فى سنة اثنتى عشرة ولكن لم يصمم ويحمل الناس إلا فى سنة ثمان عشرة ثم عوجل ولم يمهل بل توجه غازيا إلى أرض الروم فمرض ومات فى سنة ثمان عشرة ومائتين

واستقل بالخلافة بعده أخوه المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد بعهد منه وكان ملكا شجاعا بطلا مهيبا وهو الذى فتح عمورية وقد كان المنجمون قضوا بأنه يكسر فانتصر نصرا مؤزرا وأنشد فيه أبو تمام الطائى قصيدته السائرة التى أولها

السيف أصدق أنباء من الكتب ** فى حده الحد بين الجد واللعب

والعلم فى شهب الأرماح لامعة ** بين الخميسين لا فى السبعة الشهب

أين الرواية أم أين النجوم وما ** صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

تخرصا وأحاديثا ملفقة ** ليست بنبع إذا عدت ولا غرب

ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشجاعة والمهابة والمكارم والأموال والحيل والدهاء وكثرة العساكر والعدد والعدد

قال الخطيب ولكثرة عساكره وضيق بغداد عنه بنى سر من رأى وانتقل بالعساكر إليها وسميت العسكر

وقيل بلغ عدد غلمانه الأتراك فقط سبعة عشر ألفا

وقيل إنه كان عريا من العلم مع أنه رويت عنه كلمات تدل على فصاحته ومعرفته

قال أبو الفضل الرياشى كتب ملك الروم لعنه الله إلى المعتصم يهدده فأمر بجوابه فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه وقال للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ‏}

ومن كلامه اللهم إنك تعلم أنى أخافك من قبلى ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلى

قلت والناس يستحسنون هذا الكلام منه ومعناه أن الخوف من قبلى لما اقترفته من الذنوب لا من قبلك فإنك عادل لا تظلم فلولا الذنوب لما كان للخوف معنى وأما الرجاء فمن قبلك لأنك متفضل لا من قبلى لأنه ليس عندى من الطاعات والمحاسن ما أرتجيك بها

والشق الثاني عندنا صحيح لا غبار عليه وأما الأول فإنا نقول إن الرب تعالى نخاف من قبله كما نخاف من قبلنا لأنه الملك القهار يخافه الطائعون والعصاة وهذا واضح لمن تدبره

قال المؤرخون ومع كونه كان لا يدرى شيئا من العلم حمل الناس على القول بخلق القرآن

قلت لأن أخاه المأمون أوصى إليه بذلك وانضم إلى ذلك القاضى أحمد بن أبى دؤاد وأمثاله من فقهاء السوء فإنما يتلف السلاطين فسقة الفقهاء فإن الفقهاء ما بين صالح وطالح فالصالح غالبا لا يتردد إلى أبواب الملوك والطالح غالبا يترامى عليهم ثم لا يسعه إلا أن يجرى معهم على أهوائهم ويهون عليهم العظائم ولهو على الناس شر من ألف شيطان كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم لنجاه الله مما فرط منه ولو أن الذين عنده من الفقهاء على حق لأروه الحق أبلج واضحا ولأبعدوه عن ضرب مثل الإمام أحمد ولكن ما الحيلة والزمان بنى على هذا وبهذا تظهر حكمة الله فى خلقه

ولقد كان شيخ الإسلام والمسلمين الوالد رحمه الله يقوم فى الحق ويفوه بين يدى الأمراء بما لا يقوم به غيره فيذعنون لطاعته ثم إذا خرج من عندهم دخل إليهم من فقهاء السوء من يعكس ذلك الأمر وينسب الشيخ الإمام إلى خلاف ما هو عليه فلا يندفع شيء من المفاسد بل يزداد الحال ولقد قال مرة لبعض الأمراء وقد رأى عليه طرزا من ذهب عريضا على قباء حرير يا أمير أليس فى الثياب الصوف ما هو أحسن من هذا الحرير أليس فى السكندرى ما هو أظرف من هذا الطرز أى لذة لك فى لبس الحرير والذهب وعلى أى شيء يدخل المرء جهنم وعذله فى ذلك حتى قال له ذلك الأمير اشهد على أنى لا ألبس بعدها حريرا ولا طرزا وقد تركت ذلك لله على يديك فلما فارقه جاءه من أعرفه من الفقهاء وقال له أما الطرز فقد جوز أبو حنيفة ما دون أربعة أصابع وأما الحرير فقد أباحه فلان وأما وأما ورخص له ثم قال له لم لا نهى عن المكوس لم لا نهى عن كذا وكذا وذكر ما لو نهى الشيخ الإمام أو غيره عنه لما أفاد وقال له إنما قصد بهذا إهانتك وأن يبين للناس أنك تعمل حراما فلم يخرج من عنده حتى عاد إلى حاله الأول وحنق على الشيخ الإمام وظنه قصد تنقيصه عند الخلق ولم يكن قصد هذا الفقيه إلا إيقاع الفتنة بين الشيخ الإمام والأمير ولا عليه أن يفتى بمحرم فى قضاء غرضه

وهذا المسكين لم يكن يخفى عليه أن ترك النهى عما لا يفيد النهى عنه من المفاسد لا يوجب الإمساك عن غيره ولكن حمله هواه على الوقوع فى هذه العظائم والأمير مسكين ليس له من العلم والعقل ما يميز به

والحكايات فى هذا الباب كثيرة ومسك اللسان أولى والله المستعان

ومات المعتصم فى سنة سبع وعشرين ومائتين وولى الواثق بالله أبو جعفر هارون ابن المعتصم بن الرشيد وكان مليح الشعر يروى أنه كان يحب خادما أهدى له من مصر فأغضبه الواثق يوما ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق

يا ذا الذى بعذابى ظل مفتخرا ** ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا

لولا الهوى لتجارينا على قدر ** وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى

وقد ظرف عبادة الملقب بعبادة المخنث حيث دخل إليه وقال يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك فى القرآن قال ويلك القرآن يموت قال يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت بالله يا أمير المؤمنين من يصلى بالناس التراويح إذا مات القرآن فضحك الخليفة وقال قاتلك الله أمسك

قال الخطيب وكان ابن أبى دؤاد قد استولى عليه وحمله على التشديد فى المحنة

قلت وكيف لا يشدد المسكين فيها وقد أقروا فى ذهنه أنها حق يقربه إلى الله حتى إنه لما كان الفداء فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين واستفك الواثق من طاغية الروم أربعة آلاف وستمائة نفس قال ابن أبى دؤاد على ما حكى عنه ولكن لم يثبت عندنا من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه فى الأسر وهذه الحكاية إن صحت عنه دلت على جهل عظيم وإفراط فى الكفر

وهذا من الطراز الأول فإذا رأى الخليفة قاضيا يقول هذا الكلام أليس يوقعه ذلك فى أشد مما وقع منه فنعوذ بالله من علماء السوء ونسأله التوفيق والإعانة ونعود إلى الكلام فى ترجمة الإمام أحمد

مناظرة بين الشافعى وأحمد ابن حنبل رضى الله عنهما

حكى أن أحمد ناظر الشافعى فى تارك الصلاة فقال له الشافعى يا أحمد أتقول إنه يكفر

قال نعم

قال إذا كان كافرا فبم يسلم

قال يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله

قال الشافعى فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه

قال يسلم بأن يصلى

قال صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد وسكت حكى هذه المناظرة أبو على الحسن بن عمار من أصحابنا وهو رجل موصلى من تلامذة فخر الإسلام الشاشى

رأيت فى تاريخ نيسابور للحاكم فى ترجمة الحافظ محمد بن رافع

أخبرنا أبو الفضل حدثنا أحمد بن سلمة قال سمعت محمد بن رافع يقول سمعت أحمد ابن حنبل يقول إذا قال المؤذن فى أذانه صلوا فى الرحال فلك أن تتخلف وإن لم يقل فقد وجب عليك إذا قال حى على الصلاة حى على الفلاح

وأسند الرفاعى فى أماليه أن أبا الوليد الجرار قال أنشدت بين يدى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ورضى عنه

وأحور محمود على حسن وجهه ** يزيد كمالا حين يبدو على البدر

دعانى بعينيه فلما أجبته ** رمانى بنشاب المنية والهجر

وكلفنى صبرا عليه فلم أطق ** كما لم يطق موسى اصطبارا على الخضر

شكوت الهوى يوما إليه فقال لى ** مسيلمة الكذاب جاء من القبر

أطعت الهوى لا بارك الله فى الهوى ** فأنزلنى دار المذلة والصغر

فقال أحمد بن حنبل صدق الشاعر لا بارك الله فى الهوى

وروى الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور فى ترجمة محمد بن نصر الفراء وهو فى الطبقة الخامسة أنه سمع أحمد بن حنبل يقول حدثنا الشافعى عن مالك بن أنس عن ابن عجلان قال إذا أغفل العالم لا أدرى أصيبت مقاتله وإن أحمد بن حنبل قال لم يسمع مالك من ابن عجلان إلا هذا قلت هذه فائدة

أخبرنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكى عبد الرحمن المزى وعبد الرحيم بن إبراهيم بن إسماعيل بن أبى اليسر قراءة عليهما وأنا أسمع قال الأول أخبرنا على بن أحمد بن البخارى وأحمد بن شيبان بن ثعلب والمسلم بن علان وزينب بنت مكى ابن كامل الحرانى وقال الثانى أخبرنى جدى أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبى اليسر سماعا قالوا أخبرنا حنبل بن عبد الله أخبرنا هبة الله بن محمد أخبرنا أبو علي ابن المذهب أخبرنا أبو بكر بن حمدان أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبى رضى الله عنه حدثنا محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه أخبرنا مالك رضى الله عنه عن نافع رضى الله عنه عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله قال ‏(‏ لا يبع بعضكم على بيع بعض ‏)‏ ونهى عن النجش ونهى عن بيع حبل الحبلة ونهى عن المزابنة والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا

هذا الحديث مستحسن الإسناد لرواية الأكابر فيه بعضهم عن بعض وسيأتى إن شاء الله تعالى مثله فى ترجمة المزنى وأنا أسمى هذا الإسناد عقد الجوهر وإذا سمى مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب فقل إذا شيءت فى أحمد عن الشافعى عن مالك عن نافع عن ابن عمر والمزنى عن الشافعى هكذا والبويطى عن الشافعى هكذا وهذا عقد الجوهر ولا حرج عليك

وليس فى مسند أحمد رواية أحمد عن الشافعى عن مالك عن نافع عن ابن عمر غير هذا الحديث

8 أحمد بن محمد بن سعيد بن جبلة أبو عبد الله الصيرفى البغدادى

سمع الشافعى وغيره